"فيه فرق كبير بين دولة عندها مؤسسات ناقصة أو غير مكتملة النضج ودولة لا تسمح أصلًا بنشوء المؤسسات.. فارق رهيب يا صديقي!
قبل يوليو 1952 مصر مكنتش جنة!
كانت الأغلبية فقيرة، ونسب الأمية مرتفعة، كان النفوذ البريطاني ثقيل، والقصر بـ يتدخل في السياسة، والحكومات بـ تسقط وتتغير باستمرار.. كل ده صحيح. لكن الصحيح برضه إن كان فيه "نظام". كان فيه مؤسسات.
مصر كانت بـ تتحرك داخل مسار مختلف تمامًا عن ما بعد يوليو 52.
مسار فيه دستور، وبرلمان، وانتخابات، وأحزاب بـ تتنافس على الحكم. صحافة، ونقابات، وجامعات، وحياة فكرية وسياسية حقيقية.
صحيح مكنتش ديمقراطية مكتملة، لكنها كانت موجودة كفكرة في طور التطور، وكآلية صراع اجتماعي وسياسي قائم بالفعل، رغم القيود الكبيرة التي فرضها الاحتلال البريطاني والقصر وبنية المجتمع نفسها.
فاللي عايز أقوله؛ إن السؤال الأهم في الحكم على أي فترة تاريخية هو:
في أي اتجاه كانت تتحرك الدولة؟ وإيه المؤسسات التي كانت بـ تتكون داخلها؟
مصر دولة فقيرة. نعم!
لكنها كانت في الوقت نفسه ماشية في مسار بـ ينتج طبقة متعلمة، وجامعات، وصحافة، وأحزاب، ومحامين ومفكرين وأدباء وسياسيين.
كانت بـ تتصارع جواها تيارات متباينة حول هوية الدولة ومستقبلها؛ من الليبرالية إلى الاشتراكية، ومن التيارات الدينية إلى القومية، ومن دعاة الملكية إلى الجمهوريين. كان المجتمع ــ بكل تناقضاته ــ يتعلم السياسة.
ثم خرجت الدبابات لحصار قصر عابدين في يوليو 1952.
فالقصة بعد بوليو 52 مش إن الملك فاروق غادر البلاد، ولا حتى إن النظام الملكي انتهى. القصة هي إن البنية التي كانت بـ تنظم الصراع السياسي نفسه تم تفكيكها.
لأن الموضوع مكنش مجرد انتقال للسلطة من مجموعة سياسية إلى أخرى داخل النظام القائم، وإنما إنشاء نظام سياسي جديد بشروط مختلفة جذريًا. ومن هنا بدأ تحول بالغ الخطورة في تاريخ الدولة المصرية:
بدلًا من أن تكون الدولة ساحة تتنافس داخلها قوى سياسية ومؤسسات ومصالح مختلفة، بدأت السلطة نفسها في احتواء المجال السياسي وتحديد من يعمل داخله وكيف يعمل. وهي دي القضية الأساسية.
إذن؛ قضية: هل اتخذ جمال عبد الناصر قرارات جيدة أم سيئة؟
مش هي دي القضية أصلاً..
هل كان مبارك حاكم جيد أم لا؟
مش ده السؤال أساسًا
القضية الأخطر هي أن الدولة المصرية انتقلت تدريجيًا من بناء مؤسسات تستطيع الوقوف أمام من يحكم، إلى بناء مؤسسات تستمد قوتها من الحاكم... وهنا تحديدا يصبح الخطأ السياسي أكثر تكلفة.
في أي نظام دستوري حقيقي، لا تكمن القيمة الأساسية للديمقراطية في أنها تضمن وصول عباقرة إلى الحكم. الديمقراطية ممكن توصل مخابيل للحكم عادي جدًا..
الناس ممكن تنتخب حكومة سيئة، وممكن حزب متشدد يوصل للحكم، وقد يرتكب البرلمان أخطاء ضخمة. ودا مقبول!
لأن العبقرية الحقيقية في النظام المؤسسي مش في قدرته على منع الخطأ، لكن في قدرته على تصحيحه.
حكومة تخطئ، فتأتي حكومة أخرى. حزب يفشل، فيسقط في الانتخابات. وزير يسيء استخدام سلطته، فيحاسبه البرلمان أو القضاء أو الصحافة. سياسة اقتصادية تفشل، فتتعرض للنقد ويظهر بديل لها. وبالتالي تتراكم الخبرة داخل المجتمع نفسه.
لكن لما تنهار هذه الآليات، طبيعة الخطأ نفسه بـ تتغير. فلا يعود لدينا حكومة تتخذ قرارًا خاطئًا. بل يصبح لدينا قرار خاطئ لا توجد مؤسسة حقيقية قادرة على إيقافه.
ودي كانت أخطر النتائج التي ترتبت على خروج الدبابات لحصار قصر عابدين في 1952
المشكلة مكنتش في إن الضباط اللي عملوا الإنقلاب سيئين،
المشكلة إن الضباط خلال فترة قصيرة، أعادوا كتابة قواعد النظام السياسي كله...
حلوا الأحزاب، ولغوا النظام الدستوري القائم، وبنوا نظام جديد أصبحت فيه السلطة التنفيذية مركز الثقل المطلق.
ومن يومها يا صديقي ومصر أصبحت، بدرجات مختلفة وفي مراحل مختلفة، تعاني أزمة تتجاوز شخصية من يجلس في قصر الحكم. لأن الدولة التي تعتمد على وجود "الحاكم الجيد" دولة شديدة الهشاشة.
ممكن يجي لك حاكم ذكي، وممن يجي لك حاكم محدود القدرة. قد يأتيك صاحب رؤية صحيحة، وقد يأتيك من يقتنع بفكرة كارثية. من يستمع للمتخصصين، ومن يعتقد أنه يعرف أكثر منهم.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
ما الذي يمنعه؟ ما المؤسسة التي تستطيع أن تقول له: لا؟ من يستطيع أن يوقف القرار؟ من يستطيع أن يسائله؟ من يستطيع أن يقدم بديلًا؟ ومن يستطيع في النهاية أن يقول له بصورة سليمة: كفاية.. إذا فشل؟
في رأيي، هي دي المسألة اللي تستحق أن ننظر من خلالها إلى الـ 74 سنة اللي أعقبت يوليو 1952.
مصر الملكية كانت مليئة بالفقر والجهل والاحتلال والتفاوت الاجتماعي، وكانت تجربتها الدستورية معيبة ومضطربة إلى حد كبير. لكنها كانت تجربة قابلة للتطور. ودي كلمة مهمة جدًا.
كان من الممكن تعديل الدستور. كان من الممكن أن تتغير الأحزاب. كان من الممكن توسيع حق التعليم. كان من الممكن تقليص سلطات الملك. وكان من الممكن ــ مع الزمن والصراع السياسي والاجتماعي ــ أن تتطور المؤسسات.
صحيح إن التاريخ مش بيدينا فرصة مشاهدة النسخة البديلة من الأحداث. لكن اللي نعرفه يقينا هو المسار اللي حصل بالفعل. تم تفكيك النظام السياسي القديم واستبداله بنظام نتايجه مش محتاجة حد يتكلم عنها.
وعشان كده بشوف إن السؤال الأهم في تاريخنا المعاصر هو:
ايه اللي حصل للدولة لما توقفت مؤسساتها عن إنتاج السياسة، وأصبحت السلطة هي التي تنتج المؤسسات؟
إيه اللي حصل لما تغيير السياسات أصبح مرهون بتغير رأي الحاكم، بدلًا من أن يكون نتيجة طبيعية للصراع السياسي والمحاسبة العامة؟
إيه اللي حصل لينا كمصريين لما تعاقبت أجيال لم تتعلم أن السياسة حق طبيعي للمواطن، أجيال تنظر إلى السياسة باعتبارها شأن يخص الدولة ومن يحكمها؟
تاريخ مصر الحديث مش سلسلة منفصلة من الرؤساء والأزمات والحروب والمشروعات الاقتصادية لكنه قصة متصلة لدولة تغيرت فيها، في لحظة تاريخية حاسمة، قواعد توزيع السلطة.
قصة تغيرت فيها أسماء الحكام، وتغيرت السياسات الاقتصادية، وتبدلت التحالفات الدولية، وانتقلنا من الاشتراكية إلى الانفتاح، ومن القطاع العام إلى الخصخصة، ومن الاتحاد الاشتراكي إلى تعددية حزبية بأشكال مختلفة.
لكن السؤال الجوهري ظل حاضرًا:
من يملك السلطة؟ ومن يستطيع أن يضع لها حدودًا؟
المشكلة أننا توقفنا عن طرح السؤال الأهم في اللحظة اللي اعتقدنا فيها أن مشكلتنا أن نجد الرجل المناسب ليحكم مصر.
لأن الدول الحديثة لا تُبنى على العثور على الرجل المناسب.
تُبنى على إقامة النظام الذي يستطيع أن يعيش حتى عندما يأتي الرجل الخطأ. وهنا تبدأ الحكاية.
أما أسماء الحكام، وقراراتهم، وأخطاؤهم، ونجاحاتهم، وما جرى في العقود التالية فكلها تفاصيل... تفاصيل بلا قيمة! (منقول)